سلطة الوصاية لا تغيّر من سلوكها والعين على موقف واشنطن من إسرائيل بدء معركة تحرير الأرض سلماً أو بالمقاومة صحيفة الأخبار
سلطة الوصاية لا تغيّر من سلوكها والعين على موقف واشنطن: من إسرائيل بدء معركة تحرير الأرض سلماً أو بالمقاومة
صحيفة الأخبار
فيما كانت عشرات آلاف النازحين يعودون أمس إلى قراهم وبلداتهم ومنازلهم في الضاحية الجنوبية والجنوب، كانت قوات الاحتلال تحاول فرض أمر واقع جديد على الأرض. وبينما كان إعلان الأحد واضحاً في الدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار، سعى جيش العدو إلى الالتفاف على ذلك عبر تنفيذ عمليات توغّل صامتة في القطاعين الغربي والشرقي. إلا أن المقاومة كانت في حال استنفار ويقظة، فاستهدفت الدبابات والآليات العسكرية بالصواريخ.
في المقابل، عمد جيش الاحتلال إلى إطلاق النار في أكثر من اتجاه، في محاولة لمنع الأهالي من الاقتراب من المناطق التي لا تزال تحت سيطرته، مستهدفاً ما ادّعى أنها مواقع تشكّل خطراً على قواته. وترافقت هذه الخروقات الإسرائيلية مع استعراض سياسي نفّذه رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو في مواجهة خصومه داخل الكيان، واضعاً الاتفاق الإيراني- الأميركي أمام اختبار جدي قد يعيد الأمور إلى المربع الأول.
داخلياً، التزمت سلطة الوصاية صمت أهل الكهف، إذ لم يكلّف الرئيسان جوزيف عون ونواف سلام نفسيهما عناء مخاطبة اللبنانيين، فيما انصبّ اهتمامهما على السعي إلى حجز موقع لهما في صورة الحدث الإقليمي والدولي الكبير. وفي الوقت الذي واصلت فيه واشنطن تجاهل كل السلطات الحليفة لها في لبنان، متخلّية عنها عند أول منعطف، كانت طهران تمدّ يد الحوار إلى الجهات التي طعنتها سياسياً ولا تزال تفعل ذلك منذ ما قبل اندلاع الحرب.
ويأتي ذلك بالتزامن مع استعداد السلطة لجلسة المفاوضات المرتقبة في 22 حزيران المقبل، من دون ظهور أي مؤشرات جدية إلى تغيير في مقاربتها، رغم التطورات التي شهدتها الأيام القليلة الماضية، وسط تزايد المخاوف من الذهاب نحو تقديم تنازلات أمنية لجيش الاحتلال مقابل انسحاب بات يشكّل شرطاً لاستمرار مسار المفاوضات الإيرانية- الأميركية، إلى جانب الصعوبات الكبيرة التي يواجهها جيش الاحتلال في البقاء حيث هو اليوم لأسباب عملياتية وسياسية.
وكان لافتاً إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الوضع في لبنان «يجب أن ينتهي قريباً»، مشدداً على «ضرورة البحث في سبل تسوية النزاع القائم». وأضاف: «نريد أن نرى كيف يمكننا تسوية النزاع في لبنان، وعلينا أن نتحدث مع إسرائيل بهذا الشأن»، لافتاً إلى أن «الأمل قائم في التوصل إلى حل للوضع في لبنان أيضاً، وعلينا أن نتحدث مع حزب الله».
وشرحت مصادر أميركية، كانت على تواصل أمس مع جهات لبنانية بارزة، خلفيات موقف ترامب، مشيرة إلى اتصال نائب الرئيس جي دي فانس بنتنياهو «الذي كان عاصفاً، بعدما أصرّ فانس على أن يضع نتنياهو خطة لانسحاب سريع من الأراضي اللبنانية المحتلة، وأن يكون جاهزاً لإنجاز ترتيبات أمنية خلال جلسة المفاوضات المقبلة مع لبنان المقررة في 22 حزيران».
وبلغ الأمر حدّ أن جهات لبنانية تلقّت من الأميركيين اقتراحاً يقضي بأن «يُعدّ لبنان لائحة بخطوات أمنية وعسكرية يتخذها لتأمين الأمن لشمال إسرائيل، بما يساعد على تنفيذ انسحاب عسكري واسع في المرحلة الأولى». ويأتي ذلك وسط حديث عن «عودة إسرائيل إلى الخط الحدودي الذي كانت تتمركز عنده قبل الثاني من آذار، فيما تعمل قواتها حالياً على تثبيت مواقعها في أكثر من تسع نقاط تمتد على طول الحدود، من الخيام شرقاً إلى الناقورة غرباً».
نقاش تمهيدي لجلسة سياسية– عسكرية في 22 حزيران، ومحاولة أميركية لتمرير اتفاق أمني مقابل الانسحاب الإسرائيلي
لكن الأمور قد لا تسير في هذا الاتجاه، إذ إن لبنان لا يملك القدرة على فرض إجراءات أمنية ما لم يحصل أولاً على ضمانات تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي الكامل، وإطلاق سراح الأسرى، وتأمين العودة الآمنة للنازحين، إلى جانب وقف جميع أشكال الاعتداءات الإسرائيلية.
وفي سياق المشاورات الجارية، سمع الجانب الأميركي من مصادر مطلعة أن حزب الله ليس في وارد مناقشة ملف سلاحه قبل إنجاز التحرير الكامل وضمان عدم وجود أي تهديد إسرائيلي لسكان الجنوب. وهو ما عكسه البيان الذي أصدره الحزب أمس، إذ شكر إيران على ما قدمته للبنان خلال الحرب وفي مسار المفاوضات، مؤكداً أن «على العدو الإسرائيلي أن يفهم أن لا عودة إلى ما قبل الثاني من آذار، وأن المقاومة التي كانت ولا تزال العين الساهرة على حماية الوطن وشعبه، لن تقبل بأي عدوان يستبيح سيادة وطنها ودماء أهلها». وأضاف البيان أن «المقاومة ستبقى متمسكة بحق لبنان المشروع والثابت في الدفاع عن أرضه وشعبه وسيادته حتى تحقيق الانسحاب الكامل وعودة الأسرى».
في هذه الأثناء، كان رئيس مجلس النواب نبيه بري يتلقى اتصالات داخلية وخارجية، أبرزها من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. ووجّه بري رسالة إلى المواطنين دعاهم فيها إلى التريث في العودة إلى قراهم.
وقال لاحقاً، في مقابلة مع منصة إماراتية، إن «الاتفاق يصبّ في مصلحة الجميع، ويشمل لبنان مع انسحاب إسرائيلي تدريجي خلال ستين يوماً»، مؤكداً رفضه «أي تقسيم أو فرض مناطق تجريبية».
وكان هذا الطرح محور مشاورات غير معلنة بين جهات رسمية وأخرى عسكرية وأمنية، كون الوفد المفترض أن يتوجه إلى واشنطن في 22 حزيران الجاري، سيتألف من عسكريين برئاسة السفير سيمون كرم. وبحسب المعطيات، من المتوقع أن يعيد العدو طرح فكرته السابقة القائمة على إنشاء «مناطق تجريبية»، ترتكز على قيام الدولة بنزع سلاح المقاومة، على أن تُوثَّق هذه الخطوة عبر لجنة ثلاثية لبنانية- إسرائيلية- أميركية، يليها انسحاب إسرائيلي من تلك المناطق.
وقد أبلغت قيادة الجيش السلطة السياسية رفضها لهذا الطرح، مشددة على أن المؤسسة العسكرية لن تنخرط في أي تنسيق مباشر مع قوات الاحتلال، وأن المطلوب هو إعادة تفعيل لجنة آلية المراقبة («الميكانيزم») حصراً، مع التأكيد في الوقت نفسه أن الجيش مستعد لضمان أمن المنطقة وخلوّها من السلاح بعد انسحاب قوات الاحتلال منها.
إسرائيل تنتظر لقاء ترامب- نتنياهو الخميس
الصمت الرسمي لحكومة العدو استمر حتى مساء أمس، عندما خرج رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو ليلاً ليعلن أن الاتفاق بين أميركا وإيران لا يتعارض مع مصالح إسرائيل، ووجّه خطاباً داخلياً بوجه خصومه، مكرراً ما اعتبره انتصارات إسرائيلية كبيرة. وعند الوصول إلى ملف لبنان، قال نتنياهو إن جيشه سيبقى في المنطقة العازلة وسيواصل مهاجمة حزب الله. لكن مع التدقيق في الكلام، بدا أن نتنياهو يتحدث عن واقع مختلف عما كانت عليه الأمور قبل الحرب. فهو وإن أصر على بقاء الاحتلال، قال إن قواته ستطلق النار على من يهاجم قواته.
وهو كلام جاء بعد ساعات على تسريب فحوى الاتصالات الجارية مع الأميركيين، إذ أكدت جميع المصادر العسكرية والسياسية في تل أبيب أن الوضع بات مختلفاً، وأن الجيش قدم توصية إلى الحكومة بإعطاء أوامر واضحة بإخلاء مواقع كثيرة في الجنوب، مع توصية إضافية بأن تذهب الحكومة باتجاه عقد اتفاق مع السلطة اللبنانية. وكشفت القناة 14 العبرية أن التعليمات صدرت لقوات الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان بمنع إطلاق النار إلا في حال وجود تهديد جدي قريب وواضح.
ووسط تصعيد سياسي كبير داخل الكيان، بين معارضين لنتنياهو يركزون على فشل الحرب ضد إيران وضد حزب الله، وفريق يميني رافض لأي تنازل وإذا كان نتنياهو لا يمانع عودة الاحتكاك أو المواجهة مع حزب الله، فإن المقاومة لم تغادر الميدان، وبدا واضحاً أنها ليست في صدد تقديم أي تنازل، وأن التوتر القائم قد يتسبب بمشكلات كبيرة للاتفاق الأميركي- الإيراني، ما يرمي بالكرة من جديد في الملعب الأميركي، وهو ما تخشاه تل أبيب التي تقول إن الملف سيحسم في اجتماع مرتقب بين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب الخميس المقبل في أوروبا.
التصريحات المتكررة حول «مناطق أمنية» مفتوحة زمنياً عكست توجهاً واضحاً نحو تكريس واقع ميداني دائم على الحدود، بما يحوّل فكرة الاحتلال إلى صيغة أمنية مقنّعة. وبهذا المعنى، تتعامل تل أبيب مع التفاهمات باعتبارها مساحة لإدارة الصراع لا لإنهائه. وفي حين أفاد موقع «والا» نقلاً عن مصدر أمني إسرائيلي بأن تل أبيب تنتظر توضيحات من المستوى السياسي بشأن الاتفاق، مشيراً إلى أنه حتى الآن لا توجد مطالب بالانسحاب من لبنان، لكن هناك العديد من المسائل التي تحتاج إلى توضيح، علماً أن حكومة العدو صادقت على تمديد حال الطوارئ حتى 30 حزيران.
عراقجي يكسر القطيعة والسلطة لا تزال في «الكوما»
غياب لبنان عن صورة المفاوضات التي جرت بين واشنطن والظهران انعكس أمس حال ارتباك وشلل في الموقف الرسمي، وتأخّراً في إصدار أي قراءة رسمية. وعندما صدرت المواقف عن الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام، جاءت باهتة ومحدودة، من دون أي إشارة إلى استيعاب التحولات الجارية.
وتمثّل المستجد الوحيد في الاتصالات التي أجراها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع الرئيسين جوزيف عون ونبيه بري. وقد اعتبر عون أن إدراج لبنان ضمن أي مسار إقليمي يشكّل إشارة إيجابية، لكنه ربط ذلك بغياب التفاصيل التنفيذية. فيما شدّد بري على ضرورة عدم فصل لبنان عن أي التزام بوقف الاعتداءات، محذراً من تحويله إلى ساحة استثناء أمني دائم، وقال إنّ «المقهور من الاتفاق الأميركي- الإيراني غير فخور بلبنانيّته».
في المقابل، شدد عراقجي في الاتصالين على أن وقف الحرب على لبنان فوري ويستمر طوال مدة التفاوض المحددة بـ60 يوماً، معتبراً أن مسؤولية ضمان الالتزام بهذا البند تقع على عاتق الولايات المتحدة والجهات الضامنة لمذكرة التفاهم. أما رئيس الحكومة نواف سلام فركّز على المسار التنفيذي، خصوصاً ما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار وعودة النازحين، في مقاربة تعكس حجم الضغط الواقع على السلطة التنفيذية في ظل غياب أدوات القوة الفعلية.
علماً أن الملف كله لم يُجرَ التطرق إليه في جلسة مجلس الوزراء أمس.
وبحسب مصادر وزارية، لم يعلق أي من الوزراء لا سيما خصوم المقاومة على الأمر، باستثناء مداخلة لوزير العدل عادل نصار الذي عبر عن استيائه وعلق قائلاً «هل سنشكر اليوم من فتح الحرب وتسبب بكل هذا الدمار وقتل الناس؟» بينما لم يتفاعل معه أحد، وواصل مجلس الوزراء مناقشة بنود عادية.
المقاومة تكرّس حقها بالرد
السبت الماضي، أدخل حزب الله تعديلاً جوهرياً على بيانات غرفة عمليات المقاومة، وأضيفت إلى عبارة «دفاعاً عن لبنان وشعبه، وردّاً على خرق العدوّ الإسرائيلي لوقف إطلاق النّار»، عبارة «استناداً إلى الحقّ المشروع في مقاومة الاحتلال وتحرير الأرض». وهو ما حصل بعد ساعات على تبلغ المقاومة الأجواء الأولية عن اتفاق إيراني- أميركي وشيك يشمل لبنان.
حزب الله كان يستبق أي وقائع يمكن للعدو أن يفرضها على الأرض، أو أي دعم أميركي لبقاء الاحتلال، بإعلانه أن عمليات المقاومة ستظل قائمة وفق قواعد تحددها قيادة الحزب، ربطاً ببقاء قوات الاحتلال في الجنوب، او رداً على أي خرق من جانب العدو. وهو ما انعكس أول من أمس في التعليمات التي صدرت إلى قيادة المقاومة من قيادة حزب الله، والتي تقول إن المقاومة ملتزمة وقف إطلاق النار، لكنها لن تسمح للعدو باستغلال الهدنة لتوسيع مناطق احتلاله، وسترد مباشرة على أي خرق لوقف إطلاق النار من قبل قوات الاحتلال.
وأمس، أعلنت المقاومة أن مقاتليها تصدوا لقوة إسرائيلية بالصواريخ والمسيرات في أثناء تقدّمها في بلدة بيوت السياد في القطاع الغربي. كما أشار في مكان آخر إلى أنه «بعد رصد قوّة تابعة للجيش الإسرائيلي مؤلّفة من جرّافة ودبّابتَي ميركافا تتقدّم من حمى أرنون- الكمّاشة باتّجاه منطقة المعبر في أطراف بلدة كفرتبنيت، تم التصدي لها بالصواريخ الموجّهة ومحلّقات أبابيل الانقضاضيّة ما أجبرها على التراجع».
وتصدت المقاومة بالصواريخ لمحاولة دبابات العدو التقدم من موقع الزفاتة صوب مرتفع علي الطاهر. وجاءت ردود المقاومة السريعة بعدما عمد العدو إلى اغتيال شخص بغارة استهدفت سيارته في حاريص، كما استهدفت مسيرة معادية سيارة على دوار كفرتبنيت قرب مدينة النبطية ما أدى إلى سقوط شهيد. كما سُجل قصف مدفعي على سجد والعيشية والمحمودية في قضاء جزين.
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها